هل الإنجاب فعل لا أخلاقي؟
هل يُمكن لفعلٍ نراه بديهيًا، بل ومقدّسًا أحيانًا، أن يكون موضع اتهام أخلاقي؟
هل الإنجاب فعل نابع من الرحمة أم من الأنانية؟
نحن لا نختار أن نولد، ومع ذلك نُلقى في عالم مليء بالألم، ونُطالَب لاحقًا بالامتنان لأننا “جئنا إلى الحياة”.
بين من يرى الإنجاب ضرورة لاستمرار الوجود، ومن يراه جريمة تُرتكب باسم الغريزة، يقف هذا السؤال المربك:
هل الإنجاب فعل أخلاقي… أم لا أخلاقي؟
وكان هذا الموضوع محل جدل لعقود وقرون بين الفلاسفة، تعددت الآراء حوله، فهناك شقين واضحين حوله:
1- الشق الأول:
والذين يقولون أن الإنجاب أمر أخلاقي، لأنه لولا الإنجاب لما استمرت الحياة ولما استمر التطور ولما وجدنا من الأساس. فالإنجاب إن كان في بيئة صحية نفسيًا يولد شخصًا منتجًا، شخصًا ناضجًا أخلاقيًا.
وثانيًا أن الإنجاب الوسيلة الوحيدة لبناء الأمم، فأمة لا تنجب هي أمة منتهية.
2- الشق الثاني:
نقيض الأول، فهم يرون أن الإنجاب أمر لا أخلاقي وجريمة كبرى، بسبب أنك تنجب إنسانًا في هذا العالم دون اختياره، هذا العالم القاسي المتعب المهلك.
فبولادته أصبح عليه حتمية التعب والألم، فيسلب الإنسان حريته عند ولادته.
ويرون أيضًا أن التكاثر أو الإنجاب البشري هو غريزة حيوانية، فزوجين لا يملكان خبرة في الدنيا ينجبان طفلًا وعليهما تربيته، لا يتمتعان بالقدرة المالية والمعنوية الكافية ولا يستطيعان بناء البيئة الصحية والمستقرة عاطفيًا ونفسيًا للطفل.
وكان من أبرز أصحاب الرأي الآخر هو آرثر شوبنهاور، الذي نقل هذه الفكرة بكل ألمها وصدقها، وذلك بسبب بيئته التي تربى بها.
وظل هذا موضوع جدل لا ينتهي حتى أصبح من جدال أخلاقي إلى موضوع جدال فارغ لا يعطي فائدة أو حلًا أخلاقيًا.
إعادة طرح الإشكال الأخلاقي
حتى لو كانت جميع ظروف العيش مثالية ماديا ونفسيا ومعنويا لا يمكن اعتبار الإنجاب حقا كليا.
فالإنجاب بالضرورة يفرض الوجود على شخص لم يُستشر ولا يمكن ضمان حمايته من أضرار صحية أو نفسية أو مجتمعية ملازمة للحياة الإنسانية.
الإشكال أن كثيرين يتعاملون مع الإنجاب كحق طبيعي فيقدمون عليه بدافع إشباع غرائز الأمومة والأبوة، أو بحثا عن الخلود الرمزي عبر الذرية، دون اعتبار أن هذا القرار يُتخذ على حساب شخص آخر لم يختر أن يوجد.
قبل أن يكون الإنجاب حرية قانونية فهو مسؤولية أخلاقية قابلة للنقاش وقرار يحتاج إلى تبرير عقلاني لا حقا مطلقا في فرض الوجود على إنسان آخر لإشباع الرغبات الشخصية.
و العالم بأشخاص موجودين بالفعل ويُحرمون من حياة كريمة و أولوية الرعاية والعدالة لهؤلاء أَولى من خلق وجود جديد.
كما أن الإنجاب يزيد الضغط على الموارد ويعمق الأزمات الاجتماعية.
لذلك قبل التفكير في الإنجاب كخيار أول ينبغي التفكير في التبني بوصفه فعلا أخلاقيا يخفف المعاناة بدل خلق احتمال جديد لها .
محاولة للفهم خارج الثنائية
فالأصح بما أراه أن الاثنين صحيحان ومخطئان في الوقت ذاته.
فالإنجاب حق بشري ولولاه لما كان للبشر وجود، ولكن أي يتوقف هذا الحق؟
في حالة أن كان الزوجين غير جاهزين، والمقصود من هذا أن تتوفر البيئة الصحية المناسبة، ليس فقط الدعم المالي والمعنوي بل بيئة صحية آمنة مستقرة نفسيًا كي لا يتحول هذا الطفل إلى شخص ذو عقد وأمراض لا تنتهي.
فإن لم يكن الزوجين جاهزين وأنجبا طفلًا، هنا قد ارتكبا جرمًا لا من بعده جرم.
فأنت سترمي هذا الإنسان في بيئة مختلة، سيكبر وهو يحمل عقد نفسية، وهذا دون ذكر الضرب.
وعندما يكبر ويصطدم بالحياة سينهار حرفيًا لأن أساسه هش، أساسه مضروب، لم يعرف في حياته سوى الخوف، فكيف له أن يواجه الخوف الأكبر وهو الحياة؟
عندها سينحرف هذا الإنسان إلى طريق الإدمان والدعارة والسرقة وجميع الأمور الغير أخلاقية، وبذلك قد دمرت حياة إنسان وسلبت منه حقه في العيش.
ولكن لو كان الزوجين يملكون البيئة الصحية المناسبة لنمو الطفل فهم بذلك فعلوا واجبهم بل وفضيلة أيضًا.
فعندما يكبر في بيئة مناسبة سيكون هذا الإنسان أكثر استقرارًا من غيره، لن ينهار عند مواجهة متاعب الحياة ومخاوفها، بل يجعلها مصدرًا تتشكل فيه نفسه ونظرته إلى الحياة.
وسيمتلك حرية الاختيار في حياته، يختار ما يريد أن يفعل، سواء ذلك كان ما يريد فعله هو هدف بيولوجي كالزواج، أم هدف سياسي أو تطوير لذاته.
فهو هنا سيمتلك الاختيار وسيصبح إنسانًا حقيقيًا، ليس بالضرورة غير المجتمع أو منتج، ولكنه سيكون إنسانًا، وهذا وحده يكفي.
وفى نهاية المطاف:
الإنجاب ليس مجرد فعل طبيعي أو حق مطلق، بل هو مسؤولية أخلاقية ضخمة تُحدد مصائر بشر لم يختاروا الوجود. من يختار الإنجاب دون وعي وبدون استعداد كامل، لا يخلق حياة، بل يضع عبء المعاناة على شخص آخر، ويضيع فرصته في أن يكون إنسانًا حرًا حقيقيًا. وفي مجتمع يخلط بين الغريزة والمسؤولية، وبين الحق والواجب، قد يكون الإنجاب فعل رحمة… وقد يكون فعل أنانية، والفرق بينهما لا يُقاس بالرغبة، بل بالاستعداد. وربما آن الأوان أن نتوقف عن تقديس الفعل، ونبدأ في مساءلته، لأن أعظم ما يمكن أن نمنحه لإنسان ليس الحياة فقط… بل حياة تستحق أن تُعاش.



لكن ، ألم يختر الإنسان الحياة!! ألم يقبل بجهل التكليف ! نحن من اخترنا الوجود سابقا.. و الأرواح و النفوس تتفاوت و توزعهم حكمته .. يضع السبل فيهم...
ما نعيشه حاليا هو إجرام إنساني بحت لغياب العقل ، شخص فاسد جهول بيئة عفنة محيط متدني .. إلى متعته الوحيدة الجنس.. كلنا راعون..
الانجاب في الوطن العربي إجرام مرفوع بالأنانية.
أحببت طرحك ، واصلي.. مودتي ^_^
موضوع جميل، وأهنئكِ على اختياره. لكن أرى أن هناك نقطة أعمق مما ذُكر في المقال. فقد ذكرتِ أن الأطفال الذين ينشؤون في بيئات سيئة قد يصبحون مدمنين أو ينحرفون إلى الدعارة أو غيرها من السلوكيات السلبية، بينما الأطفال الذين ينشؤون في بيئات صحية يصبحون ناجحين ولا يخافون من مواجهة الحياة بل يتعاملون معها كتجربة.
اعتراضي هنا يتمثل في الآتي: أليس معظمنا – نحن أبناء المجتمعات العربية ذات العقليات المتخلفة في كثير من جوانبها – قد نشأنا في بيئات غير صحية؟ نعم، قد نحمل الكثير من العقد النفسية، والكثير من الجراح والعاهات الداخلية، لكن أليس صحيحًا أيضًا أن معظمنا قد نجا من ذلك؟ بل إن كثيرين منا عاهدوا أنفسهم على ألا يربّوا أبناءهم على النهج نفسه، وألا ينتظروا من أبنائهم شيئًا مقابل إنجابهم للحياة.
لذلك فإن القول إن من ينشأ في بيئة قاسية سينحرف بالضرورة ليس دقيقًا، وكأنه مصير محتوم لكل من تربى في ظروف صعبة، بينما الواقع يثبت أن كثيرين استطاعوا تجاوز تلك الظروف وصنع مسار مختلف لأنفسهم.
أقول هذا وأنا متيقنة أنكِ حين كتبتِ ذلك لم تقصدي التعميم، وربما لم تنتبهي إلى الصيغة المطلقة التي ظهر فيها الربط بين البيئة واتجاهات الأطفال بشكل حتمي.
أتمنى لكِ السلامة والتوفيق.