لماذا نخجل من "الدورة الشهرية" ونتعامل معها كشيء مخجل ومخزٍ؟
قيود نصنعها بأيدينا
أحياناً نكون، نحن النساء، في المجتمعات العربية أكثر ذكورية من الذكور. نصنع لأنفسنا قضباناً من الوهم لنُسجن خلفها، ونقيد ذواتنا بقيود إضافية وكأن قيود مجتمعاتنا الذكورية لا تكفي. والأسوأ أننا نورث بناتنا ثم حفيداتنا تلك القيود، فتكبر الفتاة وهي تحمل مخاوف وأفكاراً لم تخترها بنفسها، بل ورثتها كما يُورث الاسم والملامح والعادات. وهكذا تستمر السلسلة جيلاً بعد جيل.
ومن بين أكثر الأمور التي تكشف هذه المفارقة علاقتنا بالحيض. فهذه العملية البيولوجية الطبيعية، التي تعيشها نصف البشرية تقريباً، لا تزال في كثير من البيئات العربية محاطة بهالة من الصمت والخجل والتكتم، وكأنها سرّ معيب يجب إخفاؤه لا ظاهرة طبيعية تدل على صحة الجسد وقدرته على الحياة والإنجاب.
يكفي أن نتأمل الطريقة التي نتحدث بها عن الحيض لندرك حجم الحرج المرتبط به. فكثير من النساء لا يذكرنه باسمه الحقيقي، بل يلجأن إلى ألقاب وأسماء مستعارة مثل "مريم"، أو "خالتى نوسا"، أو غيرها من المسميات التي تختلف من بلد إلى آخر ومن أسرة إلى أخرى. وكأن كلمة "الحيض" نفسها كلمة محرمة أو فاضحة لا يجوز النطق بها.
والغريب أن هذه الأسماء تُستخدم أحياناً حتى بين النساء أنفسهن، رغم أنهن جميعاً يعرفن حقيقة ما يُقصد بها. فبدلاً من التعامل مع الحيض كحقيقة بيولوجية طبيعية، نتعامل معه كسرّ يحتاج إلى شيفرة خاصة لفك رموزه.
ثقافة الإخفاء منذ الطفولة
ولا يتوقف الأمر عند اللغة فقط، بل يمتد إلى السلوك اليومي. فالفتاة قد تتعلم منذ صغرها أن تخفي الفوط الصحية وكأنها شيء معيب، وأن تُخفي آثار الدورة الشهرية مهما كانت الظروف، وأن تتحدث عنها همساً، وأن تشعر بالإحراج إذا علم أحد بوجودها.
بل إن بعض الأمهات يلجأن إلى الكذب على الأبناء الصغار عندما يسألون عن الفوط الصحية أو عن سبب معاناة الأم أو الأخت من بعض الأعراض المرتبطة بالدورة الشهرية. فيُقدَّم لهم أي تفسير آخر هرباً من ذكر الحقيقة. وهكذا يتعلم الأطفال منذ الصغر أن الحيض سر يجب إخفاؤه، وأن الحديث عنه أمر غير مقبول، فتنتقل الفكرة نفسها إلى الجيل التالي وتستمر الحلقة من جديد.
هل الحديث عن الحيض قلة حياء؟
من أكثر الأفكار انتشاراً أن الحديث عن الحيض نوع من قلة الأدب أو الجرأة غير المقبولة. فما إن يُذكر في نقاش عام حتى تظهر عبارات مثل: "عيب"، "هذا الكلام لا يقال"، "احتفظوا بهذه الأمور لأنفسكم".
لكن ما الذي يجعل الحديث عن الحيض قلة حياء؟ هل لأنه يتعلق بالجسد؟ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يُنظر إلى الأمراض والجروح والعمليات الجراحية بالطريقة نفسها؟ ولماذا يُستثنى الحيض تحديداً من دائرة الحديث الطبيعي؟
إن المشكلة لا تكمن في الحيض نفسه، بل في النظرة التي أحاطته بالخجل والوصمة حتى أصبح مجرد ذكره يثير الاستنكار لدى البعض.
لماذا يُمنع الحديث عنه أمام الرجال؟
في كثير من البيئات الاجتماعية يُنظر إلى الحديث عن الحيض أمام الذكور باعتباره أمراً غير لائق. فتُجبر الفتاة على استخدام الإشارات الغامضة أو الكلمات المبهمة إذا كان في المكان رجل واحد، وكأن الحقيقة نفسها يجب أن تُخفى عن الرجال.
غير أن هذا المنطق يثير تساؤلاً مهماً: لماذا يجب أن يجهل الرجال أمراً يخص نصف المجتمع؟ ولماذا يُربّى الأبناء الذكور على أن الحيض موضوع محرج لا يجوز الاقتراب منه؟
إن الجهل لا يصنع الاحترام، بل يصنع سوء الفهم. وكلما ازداد الصمت حول الموضوع، ازدادت التصورات الخاطئة والمفاهيم المغلوطة المرتبطة به.
الرجال بحاجة إلى معرفة الحيض أيضاً
الحديث عن الحيض أمام الرجال ليس دعوة إلى كسر الحياء أو تجاوز الحدود، بل دعوة إلى المعرفة والفهم. فالأب الذي يفهم طبيعة الدورة الشهرية سيكون أكثر قدرة على دعم ابنته إذا احتاجت إلى المساعدة أو شعرت بالقلق. والزوج الذي يدرك ما قد يصاحبها من آلام أو إرهاق أو تغيرات جسدية سيكون أكثر تفهماً ورفقاً بزوجته.
كيف يمكن لرجل أن يراعي زوجته أو ابنته في أمر لا يعرف عنه شيئاً؟ وكيف يمكن أن يُظهر التعاطف والدعم إذا كان المجتمع يطالبه بالابتعاد عن الموضوع وكأنه أمر محرم الحديث عنه؟
إن المعرفة لا تُنقص من الرجولة شيئاً، بل تجعل الإنسان أكثر وعياً وقدرة على الفهم والتعامل الإنساني مع من حوله.
شراء الفوط الصحية: لماذا يُعامل كأنه فضيحة؟
ومن أكثر المظاهر دلالة على نظرتنا المرتبكة للحيض اعتبار شراء الفوط الصحية أمراً محرجاً أو مخجلاً. فبعض النساء يشعرن بالتوتر عند شرائها، وبعضهن يخفينها بين المشتريات الأخرى، وبعض البائعين يضعونها في أكياس إضافية وكأنهم يخفون شيئاً ممنوعاً.
لكن الفوط الصحية ليست سوى منتج طبي وصحي تحتاجه ملايين النساء بشكل طبيعي ومنتظم. فما الذي يجعل شراءها أمراً يستدعي كل هذا الحرج؟
إن الطريقة التي نتعامل بها مع الفوط الصحية تكشف أن المشكلة ليست في المنتج نفسه، بل في النظرة إلى الحيض ككل. فحين يُعامل الحيض باعتباره عيباً، تصبح كل الأشياء المرتبطة به موضع خجل أيضاً.
في النهاية
لا يبدو أن المشكلة في الحيض ذاته، بل في المعاني التي ألصقناها به. لقد حوّلناه من عملية بيولوجية طبيعية إلى موضوع محاط بالخجل والرموز والهمس والأسماء المستعارة.
وربما يكون أول طريق التغيير هو التوقف عن التعامل مع الطبيعي وكأنه عار، وعن تعليم الفتيات أن يختبئن بسبب شيء لم يخترنه ولم يصنعنه. فالمعرفة ليست قلة حياء، والحديث عن الحيض ليس وقاحة، وشراء الفوط الصحية ليس فضيحة، وتعليم الأبناء والبنات عنه ليس خروجاً على الأخلاق.
إن الحيض جزء طبيعي من حياة المرأة، وكلما تعاملنا معه بهذه البساطة، اقتربنا خطوة من مجتمع أكثر وعياً وأقل خضوعاً للأوهام التي صنعها بنفسه.



لأن كل ما يخص المرأة عيب، حتى ظلها، لطالما ظُلمت النساء ولا زالت
كلام سليم لكن تغيير القاعدة بعد مضي سنوات طويلة ع إخفاء الموضوع وإعتباره موجب للخجل لا يفهمه الكثير
بالنسبة لنقطه شراء الفوط الصحية هنا في المحلات يضعونه في كيس اسود ويغلقونه لكيلا يراه احد
أفكر بصدق عند ذهاب الاب او الاخ او الزوج لشراء الفوط الصحيه إذن هو مدرك لحقيقة الدورة الشهرية ومجرياتها وصاحب المحل الذي يبيع الفوط مدرك ايضًا لحقيقة ذلك فلما الحرج.