الغيرةُ في أصلِها شعورٌ إنسانيٌّ ضئيل، لا يخلو منه قلب؛ أن تنظرَ إلى ما في يدِ غيرِك فتتمنى لو كان لك، وأن تقارنَ نصيبَك بنصيبِه، وتسألَ في صمت: «لماذا هو، وليس أنا؟». لكن المشكلةَ لا تبدأُ حين نشعرُ بالغيرة، بل حين نتركُها تنمو حتى تتحولَ من مجردِ شعورٍ إلى رغبةٍ في الانتقام، ومن رغبةٍ في الانتقامِ إلى نزعةٍ لـمَـحْوِ الآخر.
فالإنسانُ لا يحقدُ دائمًا لأنه يكرهُ الآخر، بل قد يحقدُ لأنه يرى فيه الحياةَ التي تمنّى أن يعيشَها؛ يرى فيه صورتَه التي عجزَ عن تحقيقِها، والفرصَ التي أُغلقَت في وجهِه، والحبَّ الذي حُرِم منه، والمكانةَ التي ظلَّ يطاردُها ولم يبلغْها. ومع كلِّ مقارنة، يصبحُ الآخرُ مرآةً تذكّرُه بنقصِه، حتى يعجزَ عن النظرِ إليه دون أن يشعرَ بأنه يخسرُ شيئًا من ذاتِه.
وهنا تبدأُ الغيرةُ في مَسْخِ صاحبِها؛ ففي البدايةِ يريدُ ما لدى الآخر، ثم يرغبُ في أن يكونَ مثلَه، ثم يطمعُ في أن يحلَّ محلَّه، حتى يصلَ إلى مرحلةٍ لا يهمُّه فيها أن يمتلكَ ما لدى غريمه، بل يكفيه فقط ألا يبقى الآخرُ مالكًا له!
والأخطرُ من ذلك، أن الغيرةَ حين تستولي على الإنسانِ لا تكتفي بتشويشِ نظرتِه إلى الآخرين، بل تشوِّه نظرتَه إلى نفسِه أيضًا؛ فيبدأُ في تسويغِ أفعالِه، وإعادةِ تفسيرِ ماضيه، واختلاقِ الأعذارِ لكلِّ ما يأتي به، حتى يغدوَ الكذبُ أسهلَ من الاعترافِ بالحقيقة: «أنه كان يغار».
وهنا تحديدًا... يولدُ الوحش.
ليس الوحشَ الذي نراه في الحكاياتِ والخرافات، بل ذلك الذي يتخلّقُ ببطءٍ في أعماقِ الإنسان؛ حين يصبحُ ألمُه مبررًا لإيذاءِ غيرِه، وحين يتحولُ شعورُه بالظلمِ إلى حقٍّ مزعومٍ في العدوان، وحين يتوقفُ عن رؤيةِ الآخرِ ككائنٍ إنسانيّ، ليبدأَ في النظرِ إليه باعتبارِه العقبةَ الوحيدةَ بينه وبين الحياةِ التي يبتغيها.
لكن، هل الغيرةُ وحدَها تصنعُ هذا الوحش؟
ربما لا؛ فالغيرةُ ليست سوى الشرارةِ الأولى، أما الوحشُ فيحتاجُ إلى وقود: حقدٍ لم يُواجَه، ونقصٍ لم يتصالحْ معه صاحبُه، وحرمانٍ استحال إلى نقمة، ورغبةٍ جامحةٍ في الانتقامِ أقنعت صاحبَها بأنه الضحيةُ دائمًا... مهما ألحقَ بالآخرين من أذى.
ولهذا، قد يكونُ أكثرُ ما يخيفُ في الإنسانِ ليس قدرَتَه على الشر، بل قدرَتَه على إيجادِ مبررٍ أخلاقيٍّ لشرِّه؛ أن يؤذي، ثم يقنعَ نفسَه أنه كان مُضطرًا، وأن ينتقمَ، ثم يسمي انتقامَه عدلًا، وأن يهدمَ حياةَ غيرِه، ثم يرى نفسَه في النهايةِ صاحبَ الحق.
وربما لهذا السبب، لا يبدأُ التحولُ إلى وحشٍ في اللحظةِ التي يرتكبُ فيها الإنسانُ فعلًا قاسيًا، بل قبلَ ذلك بكثير؛ في اللحظةِ التي يتوقفُ فيها عن مقاومةِ مشاعرِه السوداءِ، ويقررُ أن يمنحَها المقوَدَ لتقودَ حياتَه.
فالغيرةُ ليست خطيئةً حين تقول: «أريدُ ما عندك»، إنما تغدو قاطعةً وخطيرةً حين تقول: «إذا لم أستطع امتلاكَه، فلا أريدك أن تملكَه أنت!».
وحين يصلُ المرءُ إلى هذه النقطة، لا يعودُ يحاربُ من أجلِ شيءٍ يشتهيه، بل يحاربُ كي لا يرى شخصًا آخرَ سعيدًا بما حُرِم هو منه.
وفي نهاية المطاف، لا يكمن شرّ الغيرة الأكبر في أنها تجعلنا نتوق لما في أيدي الآخرين، بل في كونها تسرقنا من أنفسنا وتذيب ملامحنا ونحن نحاول جاهدين أن نرتدي حيواتهم ، فقد ينتصر الإنسان على من يغار منه، لكنه يكتشف متأخرًا أن انتصاره لم يُعد إليه ما فقده.
المقال مستمد من فكرة وأحداث عمل درامي شاهدته.



توفقت في اختيار الصور
الصوره احسها تجسيد لفكرة مقالك استمر
أحب فيلم البجعة السوداء، مقالة جميلة آنستي.