قوانين الزنا والدعارة و"الشرف"...كيف كرّسها المشرّع المصرى لصالح الرجل ؟
فى مصر ، لا يعاقب الفعل وحده….بل يعاقب الجسد الذى ارتكبه .
والمفارقة أن أن الجسد ذاته، إن كان ذكراً، قد يخرج من القضية “شاهداً”، أو “مستفيداً من الرأفة”، أو محمولاً على أكتاف مبررات اجتماعية وقانونية، بينما إن كان أنثى، يُدان مضاعفاً: مرة بالقانون، ومرة بالأخلاق، ومرة بنظرة مجتمع لا يعرف المساواة إلا حين تُهدد امتيازاته.
وتترك للرجل أبواب النجاة مفتوحة، سواء في قضايا الزنا، أو الدعارة، أو حتى القتل تحت لافتة “الشرف
هذا التمييز ليس مجرد تحيز اجتماعي عابر، بل هو مكتوب بالحبر في نصوص قانونية ما زالت نافذة، تعود في جذورها إلى قرن مضى، وما زالت تٌطبَّق .
لا تزال المرأة المصرية تدفع الثمن الأكبر داخل المجتمع المصري، فإذا ارتكبت خطأً من وجهة نظر المجتمع وارتكب مثله الرجل، يضع المجتمع أعذاراً عدة لما قام به الأخير بينما لا يتراجع أو يتهاون في جلد المرأة وملاحقتها بما فعلت.
الأمر مشابه كثيراً في القوانين المصرية التي وضعها المشرع، فقانون الزنا، والدعارة والجرائم التي عُرفت بـ"جرائم الشرف"، كلها تضم نصوصاً كرست التمييز في العقوبة بين الرجل والمرأة، حتى لو أقدم الاثنان على الفعل نفسه.
عقوبة الزنا…تمييزٌ لصالح الرجل
في الأول من كانون الثاني/ يناير الحالي، شهدت مصر حدثاً عُدَّ تاريخياً إذ أقدم المستشار أحمد وسام قنديل على إحالة المادتين 274 و276 من قانون العقوبات للمحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستوريتهما، نظراً لتفريقهما في العقوبة بين الرجل والمرأة.
أتى ذلك على خلفية نظر استئناف سيدة على حكم حبسها في اتهام زوجها لها بالزنا. وجاء في حيثيات الحكم أن المُشرّع في المادتين المُحالتين لـ"الدستورية العليا" ميّز بين الرجل والمرأة في جريمة الزنا دون مبرر شرعي أو موضوعي لهذه التفرقة، في مخالفة للدستور الذي ضمن المساواة بين الرجل والمرأة.
وتنص المادة 274 من قانون العقوبات على أن:
"المرأة المتزوجة التي ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين لكن لزوجها أن يوقف تنفيذ هذا الحكم برضائه معاشرتها له كما كانت".
في المقابل، حددت المادة الأخرى المحالة للدستورية والتي تحمل رقم 276، أشكال إثبات الجريمة على الرجل، على أن الأدلة التي تقبل وتكون حجة على المتهم بالزنا، هي القبض عليه متلبساً بالفعل داخل مسكن الزوجية.
كيف ميّز القانون بين الرجل والمرأة؟
في حيثيات وعقوبة "جريمة الزنا" ميّز القانون بين الرجل والمرأة، وفي "الدعارة" كذلك إذ اعتُبر الرجل شاهداً، وفي القتل بحجة "الشرف" نال عقوبات تخفيفية... جولة على نصوص القوانين المصرية التي ميّزت في العقوبة بين اثنين يُقدمان على الفعل نفسه.
يروي المحامي ياسر سعد تفاصيل الفرق بين الرجل والمرأة في الاتهام والعقوبة، وفقاً لمواد قانون العقوبات في جريمة الزنا، ويقول في حديثه لرصيف22:
"وفقاً للمادة 274، فإن جريمة الزنا لا تتوافر أركانها بالنسبة للزوج إلا إذا ضُبط متلبساً في مسكن الزوجية، أي لو أن الزوج قابل عشيقته في أحد الفنادق لا تتحقق جريمة الزنا، حتى لو ضُبط متلبساً. أما جريمة زنا الزوجة فتتوافر أياً ما كان المكان الذي تم فيه الفعل، حتى لو خارج مسكن الزوجية".
ويُتابع كلامه موضحاً
"وفقاً لمواد قانون العقوبات في جريمة الزنا، فإن الزوج يملك التنازل عن دعوى الزنا ضد زوجته، حتى لو صدر ضدها حكم نهائي، فهو يملك بالتنازل أن يوقف تنفيذ العقوبة، أما الزوجة فلا تملك التنازل عن دعوى الزنا، فإذا صدر حكم نهائي ليس لها الحق في وقف تنفيذه".
ويضيف :
"عقوبة زنا الزوج أخف من من عقوبة زنا الزوجة، فعقوبة الزوج الحبس مدة لا تزيد عن ستة أشهر، أما عقوبة الزوجة الحبس مدة لا تزيد عن سنتين وفقاً للمادة 276 من قانون العقوبات المصري".
"التفرقة التي نص عليها القانون تؤدي إلى الحكم على الزوجة بالعقوبة وإفلات شريكها من العقاب"، هذا ما يستخلصه سعد، منهياً كلامه بالقول إن الحكم يطالب بالمساواة بين الزوج والزوجة في جريمة الزنا من حيث العقوبة وأدلة إثباتها.
يُذكر أن نصوص القانون المصري الحالي في ما يخص جريمة الزنا مأخوذة من قانون العقوبات الفرنسي القديم الصادر عام 1810، ورغم أن المشرع الفرنسي قام بإلغائها عام 1975، ظل المشرع المصري متمسكاً بها.
بين القانون والشريعة
"رغم ما تضمنه القانون المصري، إلا أن الشريعة الإسلامية لم تفرق بين زنا الرجل والمرأة في العقوبة أو أركان إثبات الإتهام"، هذا ما تؤكده الدكتورة آمنة نصير.
وتشرح أن
"المجتمع المصري يرى خطأ المرأة إثماً كبيراً، بينما لا يلتفت كثيراً لأخطاء الرجل، لذلك يرى في مضاعفة عقوبة المرأة أمراً طبيعياً رغم أن هذا ليس له أي أساس في الشريعة الإسلامية".
وتضيف
"المجتمع المصري يرى خطأ المرأة إثماً كبيراً، بينما لا يلتفت كثيراً لأخطاء الرجل، لذلك يرى في مضاعفة عقوبة المرأة أمراً طبيعياً رغم أن هذا ليس له أي أساس في الشريعة الإسلامية".
الدعارة… الرجل ليس إلا شاهداً
في قضايا الدعارة يُعد الرجل عنصراً أساسياً لا تكتمل بدونه أركان الجريمة، لكنه مع ذلك معافى من العقاب، باعتباره "شاهداً" في القضية.
يقول سعد:
"راغب المتعة الذي لم يعتد ممارسة الدعارة لا يعاقبه القانون بل يعتبره شاهد عيان على الواقعة".
وتعاقب المرأة بالسجن والغرامة، بينما يُخلى سبيل الرجل حتى لو اعترف بالفعل، ما دام أدلى بشهادته.
وترى نصير أن الدعارة شكل من أشكال الزنا، وبالتالي لا بد أن ينال الطرفان نفس العقوبة.
وظلت الدعارة في مصر عملاً غير مجرّم، وكانت هناك سيدات يمتهنها في بيوت مخصصة حتى عام 1949، حتى أصدر البرلمان المصري مشروع قانون للحد من الدعارة، وفي عام 1951 أصدر القانون النهائي للآداب العامة الذي يطبق حتى الآن، والذي يعتبر أي صورة من الدعارة شيء مجرم يستحق فاعلها السجن.
وبعد ثورة 1952 ورحيل الملك وبداية عصر الجمهورية، وفي عام 1958 تحديداً، أصدر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قراراً بإلغاء الدعارة في سوريا ضمن حكومة الوحدة، لتنطوي بالكامل صفحة الدعارة المقننة في مصر وسوريا وتبدأ صفحة جديدة من الدعارة غير المقننة التي تتم مطاردتها أمنياً.
حماية الرجل تحت دعوى "الشرف"
تُعامل المرأة باعتبارها "شرف الرجل"، فتُخفف الأحكام عن الرجل إذا قتل بدافع الشرف، بينما تُعامل المرأة التي ترتكب الفعل نفسه كجانية قتل عمد.
يشرح سعد الفرق بين الجنحة والجناية، موضحاً أن القانون يمنح الرجل تخفيفاً واضحاً في هذه الجرائم.
"الجنحة يُعرّفها القانون بأنها عمل إجرامي ′أصغر′ ويُعاقب على الجنح بعقوبات أخف من عقوبات الجنايات، وقد أقرّ المُشرّع عقوبة الجنح على أن تبدأ من 24 ساعة وحتى 3 سنوات حبس أو غرامة مالية، أما الجناية فهي أشد وأقسى أنواع الجرائم ولذلك تصل عقوبتها إلى الإعدام، وقد أقر المُشرّع المصري عقوبة الجناية على أن تبدأ من 3 سنوات إلى 15 سنة، وتوجد بعض الجنايات تعاقب بالإعدام، ويكون الطعن على الأحكام أمام محكمة النقض".
أرقام تكشف حجم الأزمة
تشير دراسات المركز القومي للبحوث الاجتماعية إلى أن الغالبية العظمى من جرائم الشرف ارتكبها الأزواج أو الأقارب الذكور، وغالباً بدافع الشك لا اليقين.
وأكدت دراسات حقوقية أن نصوص القانون تحمل في طياتها عنفاً ضد المرأة حين تغلظ العقوبة ضدها وتخففها عن الرجل.
نحو قانون يحمي لا يميّز
ترى إلهام عيداروس أن المرأة ما زالت الحلقة الأضعف، ولا يوجد رادع قانوني حقيقي.
لذلك طالبت قوى سياسية وحقوقية بإصدار قانون موحد لمناهضة العنف ضد النساء، يشمل تعريفات أوسع للجرائم الجنسية ويوفر حماية حقيقية للنساء والفتيات.
وختامًا، فإن هذا التمييز القانوني لا يحمي القيم ولا يصون المجتمع، بل يرسّخ الظلم ويُفرغ العدالة من معناها. فالعدل لا يتجزأ، وأي قانون يُعاقب طرفًا ويُبرّئ آخر عن الفعل نفسه، ليس قانونًا عادلًا بل غطاءً رسميًا لانحيازٍ اجتماعي مرفوض.






هذا المقال مستوحى جزئيًا من مادة منشورة على أحد المواقع الصحفية، وقد قمتُ بإعادة تنظيم الأفكار، وتعديل الصياغة، وتوسيع بعض النقاط التحليلية، إلى جانب إضافة أجزاء من كتابتي الخاصة ورؤيتي للموضوع.
Hello, can you follow me? I want to increase my followers, please, and of course I will follow you back. 🤍🤍😭😭