العنف النفسي والعاطفي.
أطفالك ليسوا عبيدًا لك ولا خاضعين لإرادتك.
يتظاهر كثير من الآباء بأن حبهم لأبنائهم غير مشروط، لكن الواقع غالبًا يقول غير ذلك. فمنذ ولادة الطفل تبدأ محاولة تشكيله ليصبح نسخة تشبههم، لا إنسانًا يكتشف نفسه. يُلقَّن أفكارهم ويُدفع لاتباع السلوك الذي يحفظ صورة العائلة، وإذا حاول أن يختلف يُتَّهَم بالعقوق والجحود. وهكذا يتحول مفهوم البر من احترام ورحمة إلى طاعة وخضوع، بينما الحقيقة أن الطفل لم يُولد ليكون امتدادًا لأفكار أهله، بل إنسانًا مستقلًا له صوته وخياراته.
سأركز فى هذا المقال أكثر على العنف النفسي الممارس بالبيوت أيضا وخصوصا على الأطفال، لعل وعسى يتنبه بعض القراء من الآباء المستقبليين لتصرفاتهم ويتوقفوا عن تعذيب أبنائهم المفترضين بدعوى التأديب والمراقبة والصرامة، وتخريج دفعة جديدة من أصحاب العقد من أشباه السيكوباثيين والسيكوباثيات الذين صرنا نراهم يتكاثرون كالفطريات بمواقع التواصل الاجتماعي يتبادلون المسبات فيما بينهم.
ما هو العنف النفسي العاطفي؟
العنف النفسي والعاطفي هو كل سلوك متكرر يصدر من شخص تجاه آخر ويؤدي إلى خلق مشاعر سلبية تؤثر مع الوقت على صحته النفسية والعاطفية والذهنية. وغالبًا ما يكون المعنِّف صاحب سلطة على الضحية أو تربطه بها علاقة قريبة مثل الأب أو الأم أو الأخ أو المدير أو الأستاذ.
وفي البيوت يظهر هذا النوع من العنف من خلال التجريح، أو التقليل من المشاعر والرغبات والإنجازات، أو الانتقاد المستمر، وكل ذلك تحت مسمى التأديب أو التقويم. فيحاول المعنِّف تغيير شخصية الضحية لتوافق ما يريده هو.
ويُعد العنف النفسي أخطر من العنف الجسدي لأنه يصعب ملاحظته، إذ يتخفى خلف مسميات مثل النصيحة أو المراقبة، وقد لا يدرك المعنِّف أو الضحية أنه يحدث أصلًا. ومع الوقت قد يترك آثارًا نفسية عميقة مثل ضعف الشخصية أو الاكتئاب وغيرها من الاضطرابات النفسية.
أشكال العنف النفسي
أشكال العنف النفسي عديدة وسأحاول تعداد بعض من الممارسات التي لربما يمارسها عدد كبير جدا من الناس بمجتمعاتنا, وربما مورست عليك أنت أيضا أو تمارسها على غيرك بلا وعي.
العنف اللفظي
ويشمل كل أنواع الإساءة اللفظية الممارسة ضد الضحية بشكل مستمر, من سباب وشتائم وإهانات مباشرة أو حط من قدر الضحية بعبارات مسيئة أو الصراخ في وجهها.
يلجأ عدد كبير من الآباء لشتم أبنائهم أو نعتهم بألقاب مسيئة فيكبر الطفل يحمل هذا اللقب المسيء, وأحيانا تكون الإساءة اللفظية مغلفة على شكل مزاح أونصائح, كحث الطفل ذو القدرة الاستيعابية المحدودة على الفهم السريع بنعته بشتى أنواع النعوت, في حين أن الفهم من عدمه ليس قرارا يتخذه الطفل بنفسه.
العنف غير اللفظي
عنف يستخدم فيه حركات وسلوكات وإيماءات ونظرات تسيء للضحية دون التلفظ بالكلام, كنظرات التهديد أو الاحتقار أو غيرها من السلوكات التي تشكل عنفا غير لفظي.
الإهانة أمام الآخرين
كإهانة الآباء لأبنائهم بالشارع العام أو أمام الضيوف أو أمام أصدقائهم, حيث يرى الآباء أن من الطبيعي جدا إهانة الابن أو الابنة أمام الغرباء للتدليل على أنهم آباء حريصون على عملية تأديب وتقويم الطفل أو المراهق, مغفلين تماما مشاعر أبنائهم التي تكون أرهف بكثير عن مشاعر الراشدين, وهذا ما لا يستوعبه بعض البشر وكأنهم لم يسبق لهم أن كانوا أطفالا أو شيء من هذا القبيل لا أدري.
التحكم بتفاصيل الحياة
بعض الآباء يتحكمون بحياة أبنائهم بحجة أنهم يعرفون مصالحهم أكثر منهم, فيضيقون الخناق على أبنائهم في كل تفصيل تافه بالحياة.
فتشتري الأم ملابس لأبنائها حسب ذوقها هي والألوان والأشكال التي تروقها هي, وتتحكم بألعابهم, وطريقة جلوسهم وأسلوب كلامهم حتى وإن لم يكن يعيب أسلوبهم شيء, وذلك حسب مزاج الأم.
وقد يتحكم الأب بمسار أبنائه الدراسي حسب مزاجه أيضا فيفرض عليهم تخصصات هو يحبها, ويدفع أبناءه لممارسة رياضة هو كان يمارسها وهكذا.
العزل الاجتماعي
يقوم بعض الآباء بعزل أبنائهم عن المجتمع واغتيال مهاراتهم الاجتماعية, فيطلبون منهم عدم اتخاذ الأصدقاء مطلقا أو يطلبون منهم مصادقة شخص بعينه لأنهم يطمئنون له حتى وإن كان لا يرغب الابن مصادقته.
عدم السماح للأبناء بالتحدث مع الآخرين لقضاء حاجياتهم حيث يتولى الآباء الحديث بدلا عنهم, يزداد الأمر سوء عند الأطباء الذين يعانون الأمرين مع هذا النوع من الآباء الذين يتحدثون بلسان ابنهم المريض.
يصير الطفل عندما يكبر شخصا لا يجيد السفر وحده ولا حل مشاكله لمفرده ولا حتى الكلام كبقية الخلق.
التجسس
بعض الآباء يتجسسون على أبنائهم, ويسمون هذا التجسس مراقبة.
ومن الطبيعي أن يراقب الآباء الأطفال والمراهقين بتفتيش غرفهم إن شكوا في سلوك مشين كتعاطي المخدرات مثلا أو اتخاذ علاقات مريبة, إلا أن بعض الآباء يتجسسون على أبنائهم طول الوقت ويقومون بعمليات تفتيش دورية لحاجياتهم.
بعض الأمهات يلاحقن أبناءهن بالشارع مما يشكل إحراجا شديدا للأبناء, قد تراقبهم عبر النوافذ أو تبدأ بتفتيش هواتفهم بشكل دوري أو لا تسمح لهم بإغلاق غرفهم أو خزاناتهم بالمفتاح.
وللعلم فإن للطفل خصوصية أيضا وأسرارا لا يرغب للآخرين الاطلاع عليها مهما كانت تافهة بالنسبة للراشدين كمذكراته اليومية أو رسوماته أو ألعابه.
ويزداد الأمر سوء بالنسبة للمراهقين لأن مشاعر الاستقلالية والخصوصية تبدأ بالتطور لديهم وتكون مشاعر الحرج والخجل لديهم قوية فينتهك الآباء خصوصياتهم خالقين لديهم مشاعر جد سلبية.
وضع الطفل أو المراهق محط شبهة وشعوره الدائم أنه متهم طول الوقت وعليه إتباث براءته وحسن سيرته, من خلال مراقبة والديه له بهذا الشكل غير الصحيح قد يأتي بمفعول عكسي فيقع الطفل أو المراهق في المحظور الذي يخشاه والداه.
خلق مشاعر العار والذنب والانتقاد المستمر
عندما يخطئ الطفل أو المراهق أو لا يحقق توقعات والديه، يُبالغ الأبوان في رد فعلهما، فيشعر الطفل وكأنه ارتكب ذنبًا كبيرًا أو أضر بنفسه وبأسرته.
ردود الفعل غير المتناسبة مع حجم الخطأ تزرع مشاعر العار والذنب لدى الطفل، وتلازمه في كل مرة يخطئ فيها.
حتى عندما يكون الطفل ناجحًا أو مثاليًا، غالبًا ما يتعرض لانتقادات مستمرة، بدعوى تحسين الأداء، ما يخلق ضغطًا نفسيًا كبيرًا ويجعل الطفل لا يدرك مصدر مشاكله أو كيف يتصرف بشكل صحيح.
تسفيه وتحقير الأحلام والهوايات
تكون أحلام الطفل والمراهق في العادة فوق المعقول بالنسبة للراشدين, وهذه استراتيجية طبيعية للدفع نحو التقدم.
حيث تكون الأحلام كبيرة جدا وتبدأ باتخاذ شكل عقلاني مع مرور السنوات حسب القدرات الحقيقية للإنسان.
لذا لا يجب أن تلقى هذه الأحلام سخرية أو تسفيها وتحقيرا من طرف الراشدين, لأن الجميع مر بهذه المرحلة.
التحقير يكسب انعدام الثقة بالنفس وعدم السعي نحو النجاح.
يقوم بعض الآباء أيضا بمحاربة هوايات أبنائهم وقتل الإبداع فيهم بدعوى الاهتمام بالدراسة من باب أولى, فيصير الطفل والمراهق مجرد آلة لتنفيذ الأوامر بلا هوية ولا أحلام ولا هوايات أو تطلعات.
تحميل فوق الطاقة
أحيانا وعكس تسفيه وتحقير الأحلام قد يرغب الآباء أن يحقق أبناءهم طموحاتهم ذات السقف المرتفع بالنسبة للطفل ذو القدرات المحدودة.
حيث لا تتوافق تطلعات الآباء مع قدرات الأبناء الحقيقية أو لا تتوافق مع رغبات الأبناء.
مما يشكل ضغطا نفسيا هائلا على الطفل أو المراهق لتحقيق أهداف والديه.
يعود الطفل من المدرسة فتتجه به أمه مباشرة لنيل دروس إضافية بالرياضيات والفيزياء لأنها تطمح في أن يصير أينشتاين العرب.
ثم تعود به للبيت حيث ينتظره مدرس اللغة الانجليزية.
ثم بيوم العطلة يأخذه والده لمدرسة تعليم الموسيقى لأن والده يحب الموسيقى ويريده أن يتحول لموزارت العصر.
في حين أن كل ما يرغب فيه الطفل هو اللعب كبقية البشر بدل الركض لتحقيق أهداف أبويه.
النتائج
وبعد سنوات من التعذيب النفسي المستمر ينتحر الطفل أو المراهق فيقولون إنه الحوت الأزرق, إنه تأثير سبيستون.
أما إذا انحرف وصار يتعاطى المخدرات أو يقيم العلاقات المشبوهة أو انضم لجماعة مطلوبة يقولون إنه تأثير رفاق السوء.
حتى وإن كان يتزعم عصابة كونها هو ذات نفسه يقولون أن رفاق السوء هم من نصبوه زعيما عليهم لتدمير مستقبله لأنهم يغارون من ذكائه الخارق.
فالغبي بعين أمه أينشتاين.
للتعنيف النفسي آثارا خطيرة جدا على نفسية الإنسان أكثر من التعنيف الجسدي.
وتتفاوت المشاكل والآثار التي يتركها التعنيف النفسي بشخصية ونفسية الطفل عند الكبر, وتتأرجح هذه الآثار حسب أنواع التعنيف النفسي التي مورست على الطفل والمراهق وشدتها وطول مدتها.
والعنف هذا يؤدى إلى:
الاكتئاب ، الانحراف ، انخفاض الثقة بالنفس ، النرجسية ، اضطرابات القلق ، صعوبة فى تحقيق الهوية الذاتية ،عدم القدرة على اتخاذ القرارات ، وغيرها …
وفى نهاية المطاف :
العنف النفسي يترك آثارًا عميقة على الطفل أو المراهق رغم غياب العلامات الجسدية. التربية الصحيحة تقوم على الفهم والاحترام والحوار ، والإحتياج إلى بيئة آمنة تمنحه الثقة والدعم.
فالأبناء لا يحتاجون آباء مثاليين بقدر ما يحتاجون آباء واعين .



هذا المقال مستوحى من مادة منشورة على احدى المواقع ، إلى جانب إضافة أجزاء من كتاباتى الخاصة .
فعلا نادر جدا الذين يحبونهم حب غير مشروط وبدون اذى